الشيخ محمد علي الأنصاري
510
الموسوعة الفقهية الميسرة
من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل « 1 » . مناقشة هذا التفسير : وللأصوليين من أصحابنا نقاشات حول رؤية التصويب بصورة عامّة والتصويب الأشعري بصورة خاصّة ، نكتفي فيما يلي ببيان ما أفاده السيّد محمد تقي الحكيم ، حيث قال ما خلاصته : ولإيضاح مواقع المفارقة في كلامه هذا نضرب المثل في القوانين التي تشرّعها الدول ، والمراحل التي تمرّ بها ، وهي ثلاث : أوّلا - مرحلة التشريع ، وهي المرحلة التي ينتزع فيها القانون شرعيّته بتصديق البرلمان أو أيّة جهة مسؤولة عنه ، وربّما اقتضت المصلحة تأجيل تنفيذه وإبلاغه للمواطنين . ثانيا - مرحلة التبليغ ، أي مرحلة مخاطبة المواطنين به ، وإلزامهم بالسير على وفقه . ثالثا - مرحلة الفعليّة ، أي مرحلة وصول القانون إليهم وتبلّغهم به . ومرحلة تنجّز التكاليف التي عرض لها القانون هي مرحلة الفعليّة وعلى أساسها يكون الثواب والعقاب ، وإلّا فمرحلة التشريع أو التبليغ - إذا لم يصل الحكم إلى المكلّف مع فحصه عنه وعجزه عن العثور عليه - لا تستوجب العقاب ؛ لقبح العقاب بلا بيان . وتطبيق هذا المثال على ما نحن فيه يكون بهذا النحو : لمّا كانت أفعال المكلّفين حاضرة جميعها لديه تعالى فلا بدّ وأن يكون قد جعل لكلّ منها حكما ؛ لعدم خلوها عن الحكم . فهذا مرحلة التشريع . وإيصال هذه الأحكام بواسطة الأنبياء إلى المكلّفين هو مرحلة التبليغ . وأمّا مرحلة الفعليّة ، فهي مرحلة وصول التكاليف . وبناء على ذلك فظنون المجتهدين - لو تمّت حجّيتها - لا تتعدّى دور تنجيز الأحكام وإيصالها إلى المكلّفين ، أي إعطاء الأحكام صفة الفعليّة والوصول ، لا أنّ الشارع يخلق أحكاما على وفقها ، كما يريد أن يقوله الغزالي . إذن فقوله : « إنّ ذلك حكم في حقّ من بلغه لا في حقّ من لم يبلغه » : إن أراد به - كما هو ظاهر كلامه - الحكم بما هو حكم صادر من الشارع في مرحلة التشريع ، فهو مستحيل ، وبيان ذلك هو : أنّ الحكم يتوقّف على قيام الأمارة عليه وعلم المكلّف بتلك الأمارة ، في حين أنّ قيام الأمارة على الحكم ثمّ العلم بها متوقّفان على ثبوت الحكم مسبقا ، إذ العلم بالحكم متوقّف على ثبوت الحكم نفسه ، لاستحالة وجود العلم بلا معلوم
--> ( 1 ) المستصفى 2 : 375 - 376 .